الصفحة الرئيسية -> وحي القلم -> الخطب


صهريج الموت !

أضيفت بتاريخ 17/12/1433 

 القراء : 1627

نسخة للطباعة

صهريج الموت !

خطبة جمعة بجامع محمد الفاتح

بتاريخ 17/12/1432هـ

 

الحمدلة .

يوم السبت .. الثامن عشر من ذي الحجة .. سنة ألفٍ وأربعمئةٍ واثنين وثلاثين للهجرة .. وقعتْ حادثةُ (براعم الوطن) التي اهتزّ لها الوطنُ كلُّهُ، وذهب ضحيتَها معلمتانِ كريمتان تغمدهما الله بالرحمةِ.

وبعد عامٍ .. أو بحسابٍ أدقّ بعد عامٍ إلا يومين يفيقُ الوطنُ على فاجعةِ (انفجارِ الرياضِ) حيث تتحدث الأخبارُ عن أربعةٍ وعشرين قتيلاً –نحسبهم شهداءَ- ومئةٍ وخمسين جريحاً عشرون على الأقلِّ منهم في حالةٍ حرجةٍ!

والمؤلمُ حدَّ الفجيعةِ أنَّ السبَبَ الماديَّ الأولَ في الفاجعتين هو إهمالُ شروطِ السلامة ومتطلباتِها .. ففي مدرسة الموتِ لم تكن أسبابُ السلامةِ متوفرةً، وفي صهريج الموتِ كشفتِ الأحداثُ وتعليقاتُ الموظفين في شركةِ الغازِ وسكانُ حي النسيمِ أنّه تم إطلاقُ تحذيراتٍ كثيرةٍ مسبقةٍ من حريةِ تنقل شاحناتِ الغاز مع استهتارٍ بشروطِ السلامةِ الواجبةِ!

وقبل أن نبدأ بأيِّ نقاشٍ أو تحليلٍ أو تعليلٍ لابدَّ لنا من أمرين:

أولهما: التسليمُ القلبيُّ والرضا بالقضاء والقدر وحمدُ الله على كلِّ ما قدَّرَ وكتبَ، فإنَّه ما من شيءٍ إلا وقد كتبه الله وقدَّرَهُ:  (ما أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ). هذه حقيقةٌ إيمانيةٌ لايصرفُنا عنها شيء، ولايُرهبنا من ذكرِها سخرية الساخرين، ولا حنق الحانقين.

على أنَّ هذا الرضا والتسليم هو خطاب القدرِ، وهو جزءٌ مما خوطبنا به، وأنَّ ثمتَ خطاباً آخر هو خطابُ الشرعِ يأمرنا بأخذ الأسباب وفعلِ مايجبُ من المحاسبة والاستدراك. أي أنَّ "خطابَ القدر يطلبُ منّا أن نسلِّم بأنّ ما حصل هو بقدر الله، وأنّه مكتوبٌ منذ خلق السمواتِ والأرض، ولكنّ خطاب القدر ليس له شأن بالعمل! بمعنى أنّه لم يقل لنا: مادام ذلك مقدراً فليس عليكم أن تبحثوا عن الأسباب ولا أن تحاسبوا الجاني!".

وقد سبق لهذا المنبرِ أن بسط هذا المعنى بسطاً تاماً يومَ فاجعةِ براعمِ الوطنِ فليراجَعْ هناك.

ذلك أولُ الأمرينِ قبل المناقشة والتعليل.
وثانيهما: تعزيةُ المصابين، وسؤال الرحمةِ للمتوفَّيْنَ، فعزاءً لكل من ماتَ له ميتٌ في هذه الفاجعةِ، بل عزاءً للرياضِ كلها، بل عزاءً للوطنِ كله في موتِ بنيه وبناتِهِ، وموتِ محبيه الذين عاشوا على أرضه، وخدموا على ثراه.

والتعزيةُ في الميتِ مشروعةٌ حتى للكافرِ غير الحربيّ، كما اختاره جماعةٌ من أهل العلمِ القدامى والمحدثين. [ http://www.saaid.net/fatwa/f56.htm ]

فكيف ينسى بعضُنا ويتخوَّضُ في هذه الحادثة ويناقشُ منها كل جانب وينسى أن يترحَّم على إخوانِه المسلمين الذين ذهبوا ضحيةَ هذا الحادث الشنيع؟

رحم الله من ماتَ وتقبله في الشهداءِ وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

وبعد !!

فقد تغيبتُ عن شرف الخطابة ثلاثة أسابيع وما كنتُ أحبُّ أن أستفتح بعد انقطاعٍ بمثل هذا الحديث الفاجعِ، ولا بمثل هذه الموضوعاتِ الساخنةِ، ولكنّها مشيئةُ الله، والله غالبٌ على أمرِهِ.

على أنِّي أحاول تناول ما جرى بمنطقٍ أقربَ إلى الموضوعيةِ ما وسعني ذلك.

وأظنه من الطبيعيِّ جداً أن يكون أولُ ما يلفت النظر الموازنة بين صهريج الموت وإعصار الموت!

يعصفُ بولاية نيوجرسي إعصارٌ هائل مدِّمرٌ هو من أعظم الأعاصير التي شهدتها البشرية، حيث تأثر منه عالمياً ما يزيد عن 70 مليون شخص! ثم يكون الضحايا قرابة ثمانين شخصاً إنساناً.

في مدينة نيويورك وحدها التي كانت من أكثر المدن تضررا ما يفوق ثمانية ملايين إنسان،كان ضحايا الإعصار منهم أربعة وأربعون شخصاً.

ثم نفقد نحنُ أربعةً وعشرين أخاً وأختاً وابناً في حادثةٍ وقعت على (جسرٍ) من جسورِ الرياض!!

صحيح أن (الانفجار) مفاجئ، و(الإعصار) متوقع ولكن مهما استحضرنا من الفروق بين الإعصار والحادثِ إلا أن المقارنة تظل محزنةً فعلاً!

ولاسيما عندما نستحضر (حوادث) أخرى لم تكن مفاجئة كسيول جدة ومع ذلك لم يتغيّر شيء!!

أو عندما نستحضر أمراً كالحجّ يتكرر كل عامٍ .. ومع ذلك يستطيع نوى التمر أن يعطل مشروعاً كلفته ستة مليارات ريال!

ويزداد الحزنُ حين نقارنُ آليةَ التعاملِ مع الكوارثِ قبلاً وبعداً ..

على المستوى (الاحتياطي) (القبليّ) كان العالم كلُّهُ يتابع التحذيرات والتنبيهات بشأن (ساندي)، ويرى كيف حدد المعنيون مساراتِه ِواتجاهاتِه، وكيف هيئت الملاجئ وجهزت المستفشيات واتخذت أسباب السلامة ووسائل الحماية، بينما تتناقل الشبكات الاجتماعية برقياتٍ سابقة رفعت للجهات المعنية، ومقالات نشرت بالصحف، بشأن خطرِ صهاريج الغاز المنفلتة دون أن يحصل شيء!

على مستوى الأداء الإعلاميِّ كنا نحنُ ونحنُ على بعد آلاف الأميال نتابع ساعة بساعة بل دقيقة بدقيقة ما يجري في نيويورك: نعرف حركة الإعصار، وجهود الإخلاء، وحجم المصائب، رأينا تصويراً حياً لكل ماجرى، بينما أهل الرياض أنفسهم لا يستطيعون أن يخبروك عن أكثر من مشاهدات وانطباعات ومقاطع فيديو وتغريدات لأنه ليس هناك أي بث مباشر!! ولا أي متابعة إعلامية صحيحة! سوى شريط إخباري، ثم تقرير مختصر في النشرة المسائية! بل يتحدث المغردون أن التلفزيون الرسمي كان في وقت الحادثة يبث أغنية البراقع !!

ولا أدري حقيقة كيف كان التعامل المباشر مع الحادثة ومحاولة احتوائها، ولا كيف كان أداء الدفاع المدنيّ والهلال الأحمر، ربما لأنَّ ذلك لا يُنشر لنا بصفةٍ شفافة! بينما تنشر وسائل الإعلام هناك استبانات عن مدى رضى المواطنين عن أداء الرئيس في أزمة (ساندي)، وقد حصل الرجل الذي أمضى يومي الثلاثاء والأربعاء في (هليوكبتر) متفقداً الأرجاء حصل على ثناء ثلثي مؤيدي خصمه (رومني)!

وأما المقارنة (البعدية) فنسأل الله أن يخفف عنها مأساتَها بصبرٍ ينزلُهُ علينا أو بتوفيق ينزله على المسؤولين!

ماراثون نيويورك سيقام في موعده الأحد القادم رغم كل الدمار الذي أصاب المدينة! أي أن عدة أيام كافية لتهيئة كل شيء! فكم سنحتاج من وقت لإصلاح آثار الانفجار!

خلال أقل من سنة تجاوزت اليابان كل تداعيات تسونامي الهائلة، وظلت (كبارينا) وجسورنا تسير في طريقها الطويل قبل أن نسير نحنُ عليها!

عموماً ..

ليست هذه المقارنات لأجل التشفي والله، ولاهي ضغط باتجاه احتقاني اجتماعيّ أو سياسيّ، ولاهي تجاهلٌ لجهودٍ صادقة يبذلها بعض المسؤولين .. ولكنها حالةٌ من الألم الصادق تعتري كل منتسبٍ إلى هذه البلادِ العزيزة بانتماء أو ولاء .. حالة من الاختناق تقذف بسؤال: لماذا ؟

لماذا؟ ونحن بلد الإسلام والإيمان .. وبلد الخير والنفط والبركة .. وبلد تطبيق الشريعة .. لماذا يكون كل هذا الإهمال؟ والاستهتار بالأرواح؟ من المسؤول؟ ومن الذي ينبغي أن يحاسب؟ ومن هو (كائناً من كان) الذي يبدو شبحه مع مطلع كل كارثة ثم يختفي في آخرها؟

ومادمنا قد بلغنا هذه النقطة ..

فإنني أحب التنبيه إلى أن من أبغض الأشياء لدى العقلاء استغلال الحوادث لتصفية الحسابات!

حساباتك مع التيارات أو الخصوم أو حتى حساباتك السياسية وإن كانت من منطلقاتٍ شريفة ينبغي ألا تجعلك انتهازياً تستغل الكوارث لتضرب تحت الحزام وتحقق أهدافك!

الخطأ يجب أن يقال عنه : خطأ .

وتوضيح الحقائق .. مطلب شرعيٌّ ووطنيٌّ .

ولكن اغتنام ( فرصة الكارثة ) لبث الإشاعات دون تثبت ولإطلاق سيل الشتائم والاتهامات دون تبيُّن .. هو خلقٌ غيرُ كريم.

وقد رأيتُ ورأيتم كماً من (التعليقات) غير الموضوعية على ماجرى في اتجاهات عدة.

فاتجاهٌ يكادُ يصورُ لك أنه كان ينبغي على الحكومة أن تعلم الغيب وتدرك أن الشاحنة ستصدم في الساعة الفلانية وبالتالي كان عليها أن توقف الشاحنة قبل ذلك بخمس دقائق!!

واتجاهٌ آخرُ يكادُ يصورُ لك أنّ ماجرى عملية إرهابية مغلفة بغلاف كارثة لابد أن للإخوانِ أصبعاً فيها أو أنفاً أو حتى سناً أو ركبة!!

أقول هذا كله على جهة المبالغة المازحة .. ولكن الفاحص في سياقات الأحداث يدرك أن هذه الاتجاهات موجودةٌ في الواقع، وأن فينا فعلاً من يستغل الكوارث للضغطِ باتجاه أجنداتِهِ الخاصة، وربما وجدتَه على كثرة ما قال وكتب غافلاً عن لفتةٍ إنسانيةٍ يضمد بها الجرح أو يلطّف بها المأساة.

وبدلاً من أن ينصبَّ الجهد الإعلاميُّ في المرحلة الأولى على الأقل باتجاه احتواء الكارثة ومنع توسع آثارِها، وتوعية الناس بما عليهم أن يفعلوا، والتقليل من احتمالية تكرارها ننشغلُ نحن بالمهاترات والصراعات والدفاع والهجوم!!

وقفةٌ ثالثةٌ أورثها هذا الحادث ..

أيها السادة نحنُ لسنا ملائكة ولسنا شياطين!

الشعب السعودي كغيره من الشعوبُ فيه الخير والشر، فيه البر والإثم، فيه الصالح والطالح.

هذه حقيقة بدهية جداً ..

ولكنها ضاعت بين فريقين:

فريق يصر على شيطنتنا وأننا أسوأ خلق الله، وأننا خلقنا من طينة الخبال ولن نفلح أبداً!

وفريقٌ يصر على أننا معجزةُ الله في أرضه، وأننا الشعب الذي ليس له مثيل أبداً، الشعب الذي يزيد بلا نقص، بينما غيره ينقص بلا زيادة!

بين هذين التطرفين ضاعت بدهية أننا بشر!

وأن البشر قد خلقهم الله طرائق قدداً، وأن الله قال عن الإنسان من حيث هو إنسان : (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)، والنجدان: طريقا الخير والشر. والله يقول عن الإنسان أيضاً: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا).

وقد رأينا هذه الحقيقة البشرية عياناً ..

فبينما كان طائفةٌ من شبابنا حفظهم الله يبادرون إلى الخدمة، ويقومون بواجبهم في مساعدة الجهات الرسميةِ، كانت طائفة أخرى تتجمهر في موقع الحادث لتسرق من المحلات المحطّمة، وتنهب ما يسعها أن تنهبه من (الغنائم)! ولو كانت سترة صفراء!!

فينا الخيرُ والشرُّ إذن ..

وما لم نتعامل مع مجتمعنا بهذا المنطق البدهي العقلانيّ الإنسان فسنجرُّ أنفسنا وبلادنا إلى خيباتٍ ليس لها آخرُ، وسنقعُ في مستنقع عنصريةٍ آسن،  أو في مستنقع جلدِ ذاتٍ قبيحٍ.

أيها الأخوة لا أريد أن أعيد كلاما قلته مرارا في خطب مثل :

(جدة المدينة الشهيدة)
(جدة والفئة الغالّة)
(أسبوع الموت)

حول ضرورة محاسبة المقصرين ومتابعة المسؤولين فقد بات هذا الأمر مطروحاً مكروراً معلوماً، ولكنني أدعو إلى تفعيل العمل المدني من خلال المشاريع والمؤسسات الفاعلة على أرض الواقع ومغالبة أوجه الفساد الكالحة بمثل هذه الخطوات العملية مهما واجهت من عقبات أو صعوبات فلعل وعسى أن ينفع الله بها .

 

= الخطبة الثانية :

روى البخاري  في صحيحه من حديث أبي هريرةرضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلاالجنة".

وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: "قبضتم ولد عبدي؟" فيقولون: نعم، فيقول: "قبضتم ثمرة فؤاده؟" فيقولون: نعم. فيقول: "ماذا قال عبدي؟" فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد".

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نودي في أطفال المسلمين، أن اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم، ثم ينادى فيهم: ان امضوا إلى الجنة زمرا، فيقولون: يا ربنا ووالدينا معنا؟ فيقول في الرابعة: ووالديكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم، فيدخلونهم الجنّة، فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم يومئذ من أولادكم في بيوتكم خرجه أبو نعيم، من طريق الطبراني.

فعسى أن يكون في هذه النصوص وما أشبهها تعزية لنا ولكل من فقد في هذه الحادثة أو غيرها أخا أو أبنا أو حبيباً أو قريباً أو صديقاً .

ختاماً ...

أجدد ما قلتُهُ قبل عامٍ كاملٍ: ..

"سنأخذ بخطاب القدرِ ونحتسبُ ونصبرُ ..

فمن سيأخذ بخطاب الشرعِ فيحاسبُ المقصر، ويضربُ على يد الظالم، ويوقف المتجاوز عند حده ؟"

أعلى